صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
30
شرح أصول الكافي
الآحاد ، لأنه سبحانه منزّه عن التأليف والتركيب وهو في غاية البساطة والأحدية ، لكنّه أراد به انّه سبحانه مع غاية أحديته لم يخرج منه شيء من الأشياء . فهو كلّ الأشياء بمعنى انّ ذاته أصل كلّ موجود وكماله وانّما مباينة الأشياء عنه تعالى لأجل اعدامها ونقائصها . فكل ما يوجد في غيره ففيه على وجه اشرف وأعلى ، وكثرة الأشياء واختلافاتها النوعية والعددية انما هي لأجل النقائص والقصورات ، فلو فرض انّ الأشياء بلغت إلى كمالاتها وغاياتها ، صارت كلّها واحدة محضة ، وللحق الاوّل كمال كلّ شيء وغايته ، فهو بهذا المعنى كلّ الأشياء ، وعلى هذا القياس نسبته الجزئيّة إلى الأشياء كما بيّناه ، لا انّها بالفعل أو بالقوة اجزاء له تعالى متمايزة بعضها عن بعض . تعالى عن ذلك علوا كبيرا . وقوله : انّ ما عداه هو الواحد والجزء « 1 » ، أراد بهذه الوحدة التي هي مبدأ العدد ولا شك انّها منفية عنه تعالى إذ لا ثاني له في الحقيقة ولا مثل له ، لكن وحدته وحدة أخرى مجهولة الكنه لأنها عين وجوده . وامّا قوله : بل كلّ ما عداه ليس بواحد ولا جزء أيضا الّا من الوجه الّذي يلي كليته ، فهو كلام صادق ، لان وحدة كل شيء نفس وجوده الخاص به ، والوجود لا يكون في شيء الّا من وجهه الّذي عنده تعالى . ولنرجع إلى ما كنا فيه وهو كونه تعالى أحاط بكل شيء علما لأنه أحاط بكل شيء وجودا ، وقد ذكرنا فيما سبق ان علمه بالأشياء لكونه حقيقة العلم لا يجوزان يعزب عنه شيء ، فلو كان بشيء دون شيء لم يكن حقيقة العلم الصرف البسيط بل مشوبا مركبا من علم وجهل كعلم ما سواه من العلماء ، فان علمنا ليس علما محضا لنقصانه وقصوره عن درجة التمام والكمال ، فلو فرض انّ علمنا صار تماما لا نقص فيه لكان علما بسيطا لا كثرة فيه ومع وحدته علما بكلّ شيء لا يشذّ عنه شيء من الأشياء ، فكذا علم الاوّل سبحانه يجب ان يكون واحدا بسيطا لا كثرة فيه ومع وحدته وبساطته علما بكل شيء لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السّماء .
--> ( 1 ) . اى : قول هذا العارف .